جلال الدين السيوطي
26
حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [ يونس : 49 ] فأمير المؤمنين يحتسب عند اللّه هذه الرزيّة التي عظم أمرها وفدح ، وجرح خطبها وقدح ، وغدت لها القلوب واجفة ، والآمال كاسفة ، ومضاجع السكون منقضّة ، ومدامع العيون مرفضّة ، فإنّ للّه وإنّا إليه راجعون ! صبرا على بلائه ، وتسليما لأمره وقضائه ، واقتداء بمن أثنى عليه في الكتاب : إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ ص : 44 ] . وقد كان الإمام المستعلي بالله قدّس اللّه روحه عند نقلته ، جعل لي عقد الخلافة من بعده ، وأودعني ما حازه من أبيه عن جدّه ، وعهد إليّ أن أخلفه في العالم ، وأجري الكافّة في العدل والإحسان على منهجه المتعالم ، وأطلعني من العلوم على السرّ المكنون ، أفضى إليّ من الحكمة بالغامض المصون ، وأوصاني بالعطف على البريّة ، والعمل فيهم بسيرتهم المرضيّة ، على علمي بما جبلني اللّه عليه من الفضل ، وخصّني به من إيثار العدل ، وإنّني فيما استرعيته سالك منهاجه ، عامل بموجب الشرف الذي عصب اللّه لي تاجه ، وكان ممن ألقاه إليّ ، وأوجبه عليّ ، أنّ أعلي محلّ السيّد الأجلّ ( الأفضل ) « 1 » ، من قلبه الكريم ، وما يجب له من التبجيل والتكريم . وإنّ الإمام المستنصر بالله كان عندما عهد إليه ، ونصّ بالخلافة عليه ، أوصاه أن يتّخذ هذا السيد الأجلّ خليفة وخليلا ، ويجعله للإمامة زعيما وكفيلا ، ويغدق به أمر النّظر والتقرير ، ويفوّض إليه تدبير ما وراء السرير ، وإنّه عمل بهذه الوصيّة ، وحذى على تلك الأمثلة النبويّة ، وأسند إليه أحوال العساكر والرعيّة ، وناط أمر الكافّة بعزمته الماضية ، وهمّته العليّة ؛ فكان قلمه بالسّداد يرجف ولا يجفّ ، وسيفه من دماء ذوي العناد يكف ولا يكفّ ، ورأيه في حسم مواد الفسّاد يرجح لا يخفّ ، فأوصاني أن أجعله لي كما كان له صفيّا وظهيرا ، وأن لا أستر عنه في الأمور صغيرا ولا كبيرا ، وأن أقتدي به في ردّ الأحوال إلى تكلّفه ، وإسناد الأسباب إلى تدبيره والناهض بباهظ الخطب ومنتقله ، إلى غير ذلك ممّا استودعني إيّاه ، وألقاه إليّ من النّص الذي يتضوّع نشره وريّاه ، نعمة من اللّه قضت لي بالسّعد العميم ، ومنّة شهدت بالفضل المتين والحظ الجسيم ، واللّه يؤتي ملكه من يشاء واللّه واسع عليم . فتعزّوا معاشر الأولياء والأمراء والقوّاد والأجناد والرعايا والخدّام ، حاضركم وغائبكم ، ودانيكم وقاصيكم ، عن الإمام المنقول إلى جنّات الخلود ، واستبشروا بإمامكم هذا الإمام الحاضر الموجود ؛ وابتهجوا بكريم نظره المطلع لكم كواكب السعود . ولكم من أمير المؤمنين ألّا يغمض جفنا عن مصابكم ، وأن يتوخّى ما عاد بميامنكم ومناجحكم ، وأن يحسن السّيرة فيكم ، ويرفع أذى من يعاديكم ، ويتفقّد مصلحة حاضركم وباديكم ،
--> ( 1 ) المقصود به : الأفضل بن أمير الجيوش ومدبّر دولته .